نافذة روسيةهيدلاينز

صيدلية تمشي على عجلات.. تجرية روسية فريدة

إعداد – روسيانا

في بعض المناطق الروسية، قد لا تكون المشكلة في العثور على الدواء المناسب، بل في العثور على صيدلية أصلاً.

ولهذا تتجه روسيا إلى تجربة فكرة تبدو كأنها خرجت من فيلم عن المستقبل: صيدليات متنقلة تتحرك على الطرقات وتصل إلى السكان في المناطق التي تفتقر إلى الصيدليات الثابتة.

وأصبح هذا التوجه ممكناً بعد توقيع قانون يسمح بتنظيم عمل الصيدليات المتنقلة، على أن تبدأ التجربة في روسيا اعتباراً من 1 سبتمبر/أيلول 2026 وتستمر لمدة ثلاث سنوات، حتى 1 سبتمبر/أيلول 2029.

صيدلية لا تنتظر الزبون
الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تعالج مشكلة يومية لسكان المناطق الريفية والنائية.

فبدلاً من اضطرار السكان إلى السفر إلى مدينة أو بلدة أخرى لشراء الأدوية، يمكن أن تصل نقطة بيع الأدوية إليهم عبر مركبة مجهزة لهذا الغرض.

وتستهدف التجربة بصورة خاصة المناطق التي لا توجد فيها صيدليات ثابتة، بما يسمح بتوفير الأدوية بالقرب من السكان، ولا سيما في الأماكن التي تجعل المسافات الطويلة عائقاً أمام الحصول على الخدمات الأساسية.

ولا تأتي الفكرة بمعزل عن محاولات أخرى لتحسين وصول سكان المناطق البعيدة إلى الخدمات الصحية؛ إذ تعتمد روسيا أيضاً على وحدات طبية متنقلة لتقديم بعض الخدمات الطبية خارج المراكز الصحية التقليدية.

لماذا الصيدليات المتنقلة؟
المسألة مرتبطة بطبيعة روسيا الجغرافية.

فالبلاد تضم مناطق شاسعة وعدداً كبيراً من التجمعات السكانية الصغيرة والمتباعدة، وفي بعض القرى لا يكون من المجدي اقتصادياً إنشاء صيدلية ثابتة تعمل طوال العام.

وهنا تظهر الصيدلية المتنقلة كحل أكثر مرونة: يمكن للمركبة أن تتحرك بين التجمعات السكانية وفق جدول محدد، بدلاً من بناء منشأة ثابتة في كل قرية.

وهذا يعني أن سكان قرية صغيرة لن يكونوا مضطرين بالضرورة إلى قطع عشرات الكيلومترات من أجل الحصول على بعض الأدوية الأساسية.

ليست مجرد سيارة تحمل الأدوية
وجود الأدوية داخل مركبة لا يعني أن العملية ستتم بصورة عشوائية.

فتجارة الأدوية في روسيا تخضع لقواعد تنظيمية ورقابية، بما في ذلك متطلبات تتعلق بالتخزين والتعامل مع المستحضرات الدوائية. وتؤكد هيئة الرقابة الصحية الروسية، «روسزدرَافنادزور»، وجود متطلبات إلزامية خاصة بالمنشآت والصيدليات وبحفظ الأدوية.

ولهذا فإن الصيدلية المتنقلة ليست مجرد شاحنة تحمل صناديق دواء، وإنما نموذج خدمة يحتاج إلى الالتزام بالقواعد التي تحكم تداول المستحضرات الطبية.

كيف يمكن أن تبدو حياة سكان القرية؟
تخيل قرية صغيرة في منطقة بعيدة: بدلاً من التخطيط لرحلة إلى أقرب مدينة لشراء الدواء، يعرف السكان موعد وصول المركبة إلى منطقتهم.

تصل الصيدلية المتنقلة، يتوجه إليها السكان، يحصلون على احتياجاتهم الدوائية وفق القواعد المعتمدة، ثم تتابع المركبة طريقها إلى تجمع سكاني آخر.

بهذه الطريقة تتحول المسافة من عائق دائم إلى رحلة مجدولة للخدمة نفسها.

وهنا تكمن أهمية الفكرة بالنسبة للحياة اليومية: الخدمة هي التي تتحرك، وليس المواطن فقط.

تجربة تغيّر شكل الخدمات
من المقرر أن تبدأ التجربة الروسية في سبتمبر 2026، ولذلك سيكون من المبكر الحكم على نتائجها قبل معرفة كيفية تطبيقها عملياً وعدد المناطق التي ستشارك فيها.

لكن الفكرة تكشف اتجاهاً أوسع في روسيا نحو البحث عن حلول للخدمات اليومية تتناسب مع المسافات الكبيرة والتجمعات السكانية الصغيرة.

وفي موسكو، على سبيل المثال، أصبحت الخدمات الرقمية جزءاً واسعاً من الحياة اليومية؛ إذ توفر العاصمة أكثر من 460 خدمة رقمية لسكانها، تشمل دفع الفواتير والخدمات البلدية والصحية وغيرها.

أما في المناطق البعيدة، فقد يكون الحل مختلفاً تماماً: ليس نقل الخدمة إلى الهاتف، وإنما وضع الخدمة على عجلات وإرسالها إلى السكان.

من المدينة الذكية إلى القرية المتحركة
ربما تكون هذه هي المفارقة الأجمل في التجربة الروسية.

فبينما تتجه المدن الكبرى نحو التطبيقات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، تبحث المناطق الريفية عن حلول أخرى أكثر ارتباطاً بالجغرافيا.

وفي الحالتين يبقى الهدف واحداً: جعل الوصول إلى الخدمات اليومية أسهل.

ففي المدينة، قد تحل المشكلة عبر تطبيق على الهاتف.

وفي قرية بعيدة، قد يكون الحل ببساطة… صيدلية تتحرك على الطريق.

وتبدأ روسيا اختبار هذا النموذج في سبتمبر المقبل، لتكشف السنوات الثلاث التالية ما إذا كانت «الصيدلية على عجلات» ستتحول من تجربة مؤقتة إلى جزء دائم من الحياة اليومية في المناطق الريفية الروسية.

تعليقات

أضف تعليق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى